I love you اهلا وسهلا بكم في شات ومنتدى الحزين I love you
I love you اذا كانت هذة زيارتكم الاولى فارجو منكم I love you
التسجيل cheers
ارجو ان ينال اعجابكم Very Happy



 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دمـــوع و شمــوع {الجــــزء الثانــــي}

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سجين الذكريات
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر
المزاج : رايـــــــق
اوسمة :
احترام القوانين :
اعلام الدول :
السٌّمعَة : 1

مُساهمةموضوع: دمـــوع و شمــوع {الجــــزء الثانــــي}   الثلاثاء فبراير 09, 2010 11:02 am


المقطع الثاني
ليس مجاناً أن يَصْدُقني القولَ أحدٌ لو أفضيت له بأن ذلك المشهد الرهيب الذي لا تماثله إلا مشاهد العالم الآخر الذي تخبرنا به الرسائل السماوية، لم يروعني كبير ترويع مقارنةً بما هالني وأذهلني ذلك الفقيه الريفي الحضري بتحصيله الواسع للتراث الأدبي العربي وثقافتهم وأساطيرهم، ولكن هل فِقه ولداي المراهقان وأفادا علماً مما تفوه به الشيخ شيئاً من الأدب واللغة يسيراً؟...‏
جاب الشيخ بلداناً مشرقيةً ومغربية وما مر بمدينة إلا وعرَّج على أشهر علمائها وأدبائها وفقهائها، وما خرج من مدينة إلا وأجازه وزكاه علماؤها، لكنه لا يحمل أية شهادة مدرسية أو جامعية، وهو مما يتعارض وطبيعة الوظيف العمومي في بلده، طرقت شهرته الفقهية وزارة العدل التي اقترحت عليه قاضياً شرعياً فرفض خوفاً من أن يكون من القاضيين، حاول أن يحصل دون طائل على شهادة تعادل علمه لعله يجد وظيفة يسد بها رمقه بطريقة شريفة، رثى محسنو حيه لحاله وأقاموه إماماً، لكن مديرية الشؤون الدينية رفضته للسبب نفسه، لم يبق لديه إلا سبيل واحد للاقتيات، أن يعلم صبية هذا الحي شيئاً مما تيسر من القرآن، وهي مهنة كافية لإعاشة عائلة صغيرة لا تتعدى فردين.‏
ألا حبذا لو دام خطاب الفقيه على نفس حال ما كان عليه، بيد أن خطابه، كما عرف الجميع من الحاضرين، اتجه وجهة أخرى ـ فاضطرني إلى هجر الدار على عجل، وأنا لا أكاد ألوي على شيء، هل يَصْدُقَني القولَ أحدٌ لو اعترفت له، بأني كنتُ أحثُّ رجليَّ بكل قوة إلى الأمام، وهما تأبيان إلا الرجوع القهقرى، كأنهما سُمِّرتا تسميراً أو شدتا إلى...‏
وما أدراه؟ ربما لم يكن الموقف بهذا الحجم من الهول الذي تخيله!... ولكن، يبدو أن الأمر قد خيَّل إليه هكذا على الأقل، على نحو لا تنفع معه شجاعة في مثل هذه الأحوال التراجيدية، وإلا فكيف وجد نفسه بعد دقائق معدودة يجوب بتيه وكبرياء مع سوء نية في كل من كان حوله من المتجولين والمتسوقين وحتى الباعة والشرطة؟!..‏
جعل يتأمل سائحاً في أزقة ضيقة لمدينة تلمسان العتيقة، وكأنه يراها لأول مرة، ما من شك أنه لا يستطيع أن يعدد الجولات السابقة، ولكنه يشعر لأول وهلة بنكهة سياحية ذكرته أمجاد الرومان والموحدين والزيانيين،...‏
ومن يدري؟... لعل قصده لهذه الأزقة التي أنسته كل ماهو حداثي وعصري من صناعة وعمران لم يكن من باب المصادفة، لماذا تحاشى الساحة العمومية الوحيدة لهذه المدينة؟ لاشك أن شيئاً ماكان يساوره، الناس في هذه الأزقة الشعبية الضيقة ناس بسطاء طيبون، راضون بما قضى لهم القدر من نسيان وفقر وحرمان، خلافاً لأولئك الذاهبين والعائدين صفوفاً صفوفاً، وجماعات جماعات طوال الصباح في تلك الساحة العمومية التي تتوسط البلدية القديمة والمسجد الكبير، فهؤلاء طبقات متمايزة من كل النماذج البشرية، غير أنها أشبه ما تكون بمرج البحرين، منها ما هو عذب فرات، ومنها ما هو ملح أجاج، كل شيء مهم قد يتم في هذه الساحة من صفقات تجارية، من زواج وطلاق، من تعيينات في مناصب، من عزل لمسؤولين، من رفض أو قبول لما يطرأ في فضاء هذه المدينة من جديد،...‏
أين ذلك كله من هذه الوجوه الطيبة من التجار والحرفيين والمتقاعدين أو المرضى المزمنين السابحين في فناجينهم وكؤوسهم، والمنتشين سجائرهم التي يمتصون، سَعُوطهم الذي يشتمون؟..‏
لم يعد اليوم مهماً كثيراً أن يكون الشيء جميلاً أو دميماً أو حتى يؤول الخبيث إلى الطيب، هذه الوجوه وتلك سيان، لم تلهه في لحظة واحدة كابوس ذلك العالم المرعب الذي بقدر ما أفاده وعلمه أشياء كان مغفلاً بشأنها، أمطره شتماً وذماً، وبلغ به التطاول أوجه حين طفق يكشف جانباً من حياته العامة وحتى الخاصة، المرء سواء كان في وعي أم في عالم اللاشعور يشق عليه أن يقبل بصدر رحب ما يوجه إليه من استفزازات، صريحة كانت أم تلميحات، ثم ماذا يكون موقفه مع نورة التي أقسم لها غير ما مرة بأنه لا يخونها حتى فيما يرى النائم في منامه؟ يبدو أنها كانت مشمئزة من بعض الأسماء التي لاكها لسانه، وربما لم تسمع شيئاً هذا ما ستأتي به الساعات والأيام القادمة، بعدما تهدأ الأوضاع، وتعود المياه إلى مجاريها..‏
يعتبه على التفريط فيما أهمله من آلات زمر، ويزعم له أنه لو كان اليوم زماراً لكان لحياته معنى أفضل، ويذكره بـ"الشبابة" ذات الثقب المستديرة المختلفة،... هو تذكرها بعد عقود من السنين... سيسأل عن معناها اللغوي الشيخ الفقيه في أول لقاء يجمعهما في غير هذا اليوم، هو رجل علامة حفاظة لما أهملته المعاجم، وألقي به من كلمات عربية قديمة في المتحف، شيخنا الفاضل ليس له ولد يشغله، ولا تجارة كاسدة تؤرقه، ولا زوجة صغيرة جميلة تملأ عليه جوه،... لكن عالمه الصغير عصفور بين يديه، تصوروا أنه حتى هذه الساعة لم ييأس بعد من أن يرزق من زوجه التي أنافت على الخمسين مولوداً، هو وإن اشتعل رأسه شيباً، وبلغ من الكبر عتيَّاً، فإن صحته جيدة وحالته النفسية قوية، إذا ما دخل المسجد واستوى جالساً قبالة الكاتبيين، وأمسك المجلد حسبته جلاد سجون، وإذا ما عاد إلى الدار، إن لم يأخذه كريم، ألقى عصاه العقفاء، واسترخى قليلاً، ثم ينكب على الحفظ والمطالعة دون أن تعلو عينيه نظارة طبية..‏
لقد ملأ عليك الدنيا هذا الشيخ، حتى إنه لبلغت بك الجرأة الأدبية في كشف جوانب تخص طرفاً من حياته، ألا تترك هذا الفقيه وشأنه، وأنت تعلم أن الحديث مباح عن كل مليك ومملوك، إلا عن الفقهاء والأولياء؟ فهم علية القوم وقضاتهم، لا كلمة لأحد تعلو كلمتهم، حتى وإن كانت أعاجيب هذا الشيخ لم تنته، لأنه ليس فقيهاً كسائر الفقهاء..‏
خف الضجيج والعجيج في شوارع المدينة الرئيسة وأزقتها الشعبية إلى إشعار قريب، ماكان القوم أحوج إلى هذا كله لو غيروا نظام عملهم، ولكن الناس عندنا إذا شبوا على شيء...... مالك أنت ولهؤلاء؟.. حسبك مصائبُك...‏
يجب أن أعود، أتمنى ألا أجد ذلك الفقيه هناك، وإلا فسيكون لي معه حديث لا يسره، بقدر ما أذهلتني بلاغته وثقافته، حتى إني تمنيتُ لو كان أستاذاً لولديّ في مادة اللغة العربية لعلهما يقبلان عليها قليلاً ويتعلقان بسحرها وجمالها، أغضبني تصرفه السريع لولا لطف من الله...‏
لست الوحيد الذي اتهمه عالم اللا شعور بالغفلة والبلاهة، نورة أيضاً زوجتي العزيزة بلهاء مغفلة، صدق من قال: "ما يَتْزَوْجو حتى يَتْشَابْهوُ". أما ذلك الشيخ رغم تسرعه، فلم يقم إلا بما تمليه عليه وظيفته.‏
هاهي ذي المقاهي فرغت من زبائنها إلا من أفاقين وعابري سبيل، عادة ما يأتون من ديار دانية ونائية لزيارة الولي الصالح "سيدي بومدين"، الذي لا يبعد عن هذه الأزقة الشعبية العتيقة إلا ببضع مئات من الأمتار.‏
يجب أن أعود، لم تعد لي حجة بالبقاء خارج المنزل، أتمنى.... وإلاَّ... لن يكون بوسع نورة أن تعيرني بالبلاهة، وتنعتني بالسذاجة بعد اليوم، وقعت في الفخ نفسه، أليست المرأة نصف الرجل؟.. يجب أن تتقاسم معه فضائله ورذائله، محاسنه ومساويه، كيف سمحت لها بلاهتها بإحضار الشيخ من أجل غيبوبة قد تعتري الملايين غيري من البشر؟... أم أضحى كل ما يحدث من حماقة وقلق في هذا الكون إلا وأنت واجد وراءه آثاراً لامرأة؟ ألم تكن جدتنا الأولى، سامحها الله، وراء ما فيه البشرية كلها من متاعب وهموم عالم مقهور، وآخر مجهول؟؟..‏
كان بإمكان السيدة أن تتصرف بألف طريق غير ما أقدمت عليه... منيرة بعيدة، والحمد لله، وإلا تحولت تلك الغيبوبة إلى فاجعة ربما لا تحمد عقباها، ... هي سيدة جامعية، بيدها مفتاح حاضري ومستقبلي، فكيف تهوي إلى هذا الحضيض من التفكير؟..‏
لم تعد رجلاي مشدودتين إلي.... ولكنهما لا تبرحان مُثاقلتين ما زلت أشعر بدواخ مركز، وصداع ينخُسُني فيؤلمني أشد الإيلام، حتى وإن كانت الحمى تراجعت كثيراً، والعرق جف نهائياً، وهذه هي الأعراض التي تهم ناساً في حالة مثل حالتي...‏
لا أقل أي تاكسي، أعود راجلاً، لأروض عضلاتي، ويأخذ جسمي مظهراً عادياً،هذا يجعلني أثبت لكل من أضحى يشفق عليَّ ويرثي لحالي بأن كل شيء على ما يرام، في مقابل هذا لن تراني أنبس ببنت شفة لأعتب على نورة،... والواقع أني لا أعرف حتى الآن لماذا تصرفت ذلك التصرف، والشعوذة آخر ما يلجأ إليه إنسان نّوَّره علمه بنقضها وبطلانها؟.. هل تصرفت في منامي فعلاً تصرفاً جنونياً، فأخفقت أمامه أنوار العلم، وانسدت في وجهه كل حيل العلاج، ولم يبق لها حيلة غير إحضار الفقيه؟.. كل ما أعرف عنها أنها سيدة متطورة ومتشبعة بثقافة غربية، لكنها شديدة الإعجاب بالعادات والتقاليد والطقوس البلدية، بيد أن ما هو راسخ في ذهني حتى هذه اللحظة أنها لا تؤمن إطلاقاً بهذه "الخزعبلات"، إذاً، ما الذي وسوس لها في ظرف قصير من غيبوبتي لتغير موقفها وتضحي مؤمنة بما باتت تكفر به؟...‏
حتى هؤلاء الأفاقيون جعلوا يفارقون هذه الكراسي واحداً واحداً بحثاً عن شواء أومطعم، وها هو ذا "المقهجي" وخادماه النشيطان البشوشان شرعوا يُهرِقون المياه التي بدأت تنساب رويداً رويداً أسفل أرجل الكراسي وقوائم الطاولات،.... فأنا لست زبوناً حديث العهد عندهم، ولكن على الفاهم أن يفهم، لا مناص إذاً من أن أغادر هذا المقهى على الأقل...‏
يجب أن أعود، إني نسيت شيئاً ليس أقل حيرة مما أنا فيه، لم أحسب له حسابه إطلاقاً، لم يخطر ببالي قط، أخشى أن تزيد نورة قلقاً مضاعفاً عليَّ، فتهتف و"تفاكس" لكل قريب وبعيد، وهذه طامة أعظم من إحضارها الفقيه قبل ساعات، ومن يدري؟.. قد تخطر شرطة البحث أو حتى مصلحة عيادة المجانين، فالمرأة قد تفعل أي شيء، إذا بلغ بها الخوف مداه إزاء ما تعزه وتحبه،....‏
لن يرغمني أحد على ولوج منزلي مثلما أرغمت على... لكني سأدخله عادياً مسالماً بارد الأعصاب، لا باسماً ولا مكفهراً،... حتى ذلك الصداع طفق يزول تدريجياً، أكاد لا أشعر به، لا أثر لعرض غير طبيعي بقي بارزاً على ملامحي،......‏
ما كادت قدما سمير تطأان العتبة، حتى دفعت الباب الخارجية على إثره دفعاً رفيقاً، وإذا بولديه يلجان، وفي يد أكبرهما الهاتف النقال، انصرف كلاهما بهدوءٍ وسكينة إلى غرفة الطعام، هل تعودا في غير الأيام الدراسية أن يتغذيا متأخرين أم أنهما كانا مكلفين بمهمة ما خارج البيت؟..‏
خلافاً لما كان يتصور سمير ويجول بخلده، استقبلته نورة رابطة الجأش مشدودة الأعصاب منطفئة الغضب، وكأن شيئاً لم يكن: "الحمد لله على سلامتك، لماذا تركتني أحتار عليك؟.. لم أفهم فهماً جلياً ... الخطأ خطؤك، لو كنت نائمة بجانبك لما تأخرت حتى ساعة من....كنت أناغيك بصوت منخفض حتى لا أشعر الولدين، كنت "تتقعد" لكنك لا تلبث أن تعود إلى حالتك التي وجدتك عليها، وتغيب بسرعة، لا أخفي عليك، أرقتني أفزعتني، لم يحصل لك هذا الأمر منذ عرفتك، ماذا كنت تظن أني فاعلة؟ لم أبتعد عنك لحظة واحدة، بدأت أراقب في هلع وقلق شديدين تقلبك وانكماشك وتمددك، لم تكن حالتك تثبت على شكل واحد، تملكني الروع والفزع، تارة تهدأ طويلاً، كأنك تسمع متكلماً رفيع المستوى لا تريد أو لا تجرؤ على بتر حديثه، ومرة تغمغم بأصوات ممزوجة ما بين ضعف وانكسار وتهديد ووعيد، وطوراً تتلفظ أشياء وأسماء، وأماكن أعلام بعينها: سارة، روما، باريس،... من يريد أن يتخطف منك سارة؟ ومن تكون سارة هذه التي أوعدت بحرب كونية من أجلها؟ مجرد أشباح على كل حال، فأنا كثيراً ما تمثل لي أشياء حتى من أتراب يُصْفون لك الود، ربما أغراني الشيطان باستحلائها، ولكنها مجرد أضغاث أحلام،....بقيت إلى جانبك سويعات، فكرت طولاً وعرضاً، فلم أجد أحداً ذا ثقة في مثل ما كنت عليه غير زميلي سي البشير، حضر قبل أن تنتهي مداومته الليلية، فحصك فحصاً طويلاً وأنت على تلك الحالة ما بين نوم ويقظة، وبدل أن يكتب وصفة نصح لي بألا أزعجك طالباً مني أن أدعك وماكنت فيه من هذيان حتى النهاية، لم يكن من حقي أن أَشْطُنَه، واكتفيت بالإجهاش، لكن سي البشير مالبث أن هدّأني مُطمئناً إياي بأن مثل هذه الأعراض، على الرغم من ندرتها، قد تحدث بين كل فينة وأخرى، وغالباً ما تعتري افراداً ليسوا من النوع العادي، قد يعزب الواحد منهم، وينجذب نحو عالم اللاشعور، ولا يثوب إلى رشده إلا بعد شحن جديد لذاكرته، لم يظفر بطلبه في عالم الشعور،... لم يكن كلام سي البشير لي كافياً، بمجرد عودته إلى عيادته، عاد إلى القلق والفزع من جديد، .... هاتفت "مامي" التي نصحت لي بإحضار "سي علي"، فأرسلت جارتنا في طلبه على عجل،.... كان بودي لو بقيت قليلاً إلى جانبك،... على أي حال، أنت الآن في هيئة لم تعد تدعو إطلاقاً إلى القلق، لن تصدق مامي، وأنت تستقبلها صباح غد بنفسك، لن أشعرها بتحسن حالتك، سأتركها لها مفاجأة، أنت تعرف كم صارت تحبك،..... يقولون: السحر، الشعوذة، الخرافة..... أنا أيضاً كنت أقول ذلك، وأتبجح بآخر ما وصل إليه علم الطب من صيحة، لكن بعد الذي شاهدت "أحْنا مْسَلْمينْ لْفُقَها وْلَمْرابْطين"،.... لكن من أين لـ"سي علي"، كل ذلك العلم العجيب؟.. هل تعلم؟.. ما إن ولج الغرفة حتى بدأت تثوب إلى وعيك شيئاً فشيئاً، وما إن فر ذلك الجان الكافر حتى خرجت وراءه مقتفياً أثره لا تلوي على شيء، لا أذكرك بكل شيء، لا أحب أن أكون ثقيلة الظل عليك، ولكن يبدو أن ذلك الجان اللعين قد "ضبعك"، غير أن "سي علي" استمر في قراءته وعمله بعدك كثيراً، أكد لي أنه طرده شر طرد من طريقك، ووعده ألا "يسكنك" أبداً..... بالمناسبة، لم يعلم أحد بما جرى إلا جارتنا العجوز التي اشتريت لسانها بالتدخل لها لدى إدارة المستشفى لتوظيف حفيدتها وأما "سي علي" فيستحيل عليه أن يتكلم، وإلا وجد نفسه تائهاً في "الثلث الخالي"، أما الولدان فلم يعلما بالضبط ما حدث"..‏
منذ أعوام أصبح لي طبع خاص كلما تكلمت نورة معي أو بمعية حضور كريم آخر، كل ما أفعل أنصت مطرقاً رأسي، بعد أشهر قليلة على زواجنا كنت أتعمد مشاكستها ولو كانت أصوب مني في كلامها، كنت أتعمد استفزازها حتى تكون كلمة الرجل دائماً هي العليا، كان معي وقتها مثقفون جامعيون وجراحون يحملون درجات علمية أعلى مما أحمل يفتلون شواربهم ويتبادلون التبجح والتباهي بضرب أزواجهم، لم أصل إلى هذا الحد مع نورة، ولكني أردت أن أهيمن عليها بطرق أخرى، لم أعلم إلا بعد أعوام المستوى الثقافي الأدنى لأولئك السيدات المضطهدات اللائي لا تخرج الواحدة منهن من البيت لتتمتع بنور الحياة وحلاوة طبيعتها والتعبير عن وجدها ووجدانها إلا مرتين في حياتها.‏
منذ بضعة أيام قبل هذه الواقعة التي استعظمتها، فاتحتني برغبة انتقالها إلى أحد مستشفيات جنوب الصحراء فأجبتها مازحاً، "نحن بخير، وليس لنا إلا ولدان"، كادت تمزق ثيابها، وتجز شعرها، ثم أجابتني بعصبية بدأت تفتر فتوراً تنازلياً كلما زادت استرسالاً في حديثها: "ما كنت أحسبك مغفلاً إلى هذا المستوى، ما أبعد السوق التي سافر إليها عقلك، كنت أحسب أني أتحدث مع زوج مثقف يفهمني بالإشارة، كنت أعتقد أن الواحد منا، بعد كل عشرة العمر هذه، لم يعد في حاجة إلى التصريح من الآخر، وإلا استمرت علاقتنا الزوجية التي لاقينا من أجلها الأمرين في تصدع دائم،... ليس قصدي مادياً إطلاقاً، ولو شئت لحصلت من الوالي على شقة في أية عمارة فارغة وفتحت عيادة يُدر علي يوم واحد أو يومان ما أتقاضاه شهرياً في هذا المستشفى، يجب أن تجعل في بالك بأن المسألة ليست مسألة فلوس،.... ألا ترى معظم الأطباء، ولاسيما المختصون، يعزفون عن العمل في صحرائنا العزيزة؟... أجل، يُخْبَل، ويُجَنُّ بها الكل لجمالها وروعة كثبانها وذهبية رمالها، وطيبة وكرم قطانها، .... لكن هل عرفت أو سمعت طبيباً أو أستاذاً، أو حتى موظفاً بسيطاً يفكر جاداً ليعمل يوماً في الصحراء؟ إنها صحراؤنا، أنسي هؤلاء تاريخهم القريب؟... لو أرادت ثورة أربع وخمسين أن تتساهل في ملف الصحراء، وتتسامح في حَفْنة رملية واحدة لعُجل باستقلال الشمال، ولكانت فاتورة الدماء الزكية أقل من مليون ونصف،...هناك أطفال يَضوَوْنَ وقد يموتون أحياناً بأتفه الأمراض التي غدت في علم الطب الحديث عادية وتقليدية، وهناك نساء حوامل كثيراً ما يمتن حتف أنفهن لولادة عسيرة أو تستدعي عملية جراحية دقيقة، وهناك من لم يعد يأمن نفسه حتى من لسع الأفاعي ولدغ العقارب،..."..‏
يصعب على امرئ مثلي في موقف كهذا أن يغير مجرى تفكير مفاجئ لا يمكن أن يبدر إلا من صوفي أو ولي صالح يريد أن ينقطع عن ملذات الدنيا ويكفر عن كل سيئة من سيئاته الماضية، إنها عشرة عمر، أعرف نورة معرفة جيدة، ومع ذلك في كل مرة أتصادم معها، ربما لتعارض المصالح أو لاختلاف العقول، ومع ذلك، فهي حين تظن نفسها أنها على حق أو سائرة في طريقه، عنيدة وعنيفة ومتصلبة في موقفها، لو لم يحدث ما حدث لي لما كانت الآن تتكلم معي، لكن الحق أقول، بقدر ما هي قاسية عنيفة إذا غضبت أو جرحت في عزتها وكرامتها رحيمة لطيفة إذا رضيت ولم تفهمك فهماً سيئاً،.. كثيراً ما نتشاجر ليلاً أو نهاراً لأبسط الأسباب، وقد نبقى أياماً لا تصالحنا إلا الظروف والمناسبات الإجبارية..‏
منذ أكثر من ثلاثة سنوات كانت في عز هدوئها وأوج نشوتها، أشارت إلي إشارة عابرة بأنها تهيء بحثاً أكاديمياً بعنوان "أطباء بلا حدود"، وبدا لي منذ تلك الفترة أنها لا تزيد كل يوم إلا إعجاباً بهذه الهيئة وبمرور الأيام صرت أفهم من سياق كلامها أنها ترغب في أن تكون عضوة نشيطةً مستقبلاً فيها.‏
لم أعد أبدي عواطفي الحقيقية لنورة بعد مرور أعوام على زواجنا الذي ما كان ليتحقق لولا صمودنا النضالي، هل أصبحت غيوراً منها أم عليها؟ كل ما زلت أذكره أن أنانية بلدية تقليدية ما تملكتني،.. كل عربي يود لو يكون حاكماً، لا بد أن يحكم أحداً ما،.. لكن نورة ليست من النساء اللواتي يقبلن أن يكن فريسةً مستساغة لتعويض ملك استعصى على رجل عربي، ليست نورة من هذا الصنف المستسلم من النساء، أنتم لا تعرفونها، هي امرأة حديدية، ذات شخصية قوية، الكل في العائلة وموقع عملها يتودد إليها، ويود لو أن نورة تتجاذب معه بعضاً من أطراف الأحاديث.‏
في عائلتنا التي انطلقت في تحصيلها من ثقافة نقلية وعقلية أكثر من شقي واحد يحمل لقب "دكتور"، غير أن نورة تظل الدكتورة الوحيدة التي تستحق هذا اللقب، ما دام الواحد من كل هؤلاء "الدكاترة" الأشقياء لا يستطيع أن يَخِزّ مريضاً غرزة واحدة، أليس هؤلاء "الدكاترة" المزعومون أقل مستوى من ممرض؟، لكي تكون دكتوراً غير مزيف هنا يجب أن تكون طبيباً، وإلا عرّضت متاعب وحصاد سنيك الطويلة إلى غمز من هذا، ولمز من تلك، ... حتى سي علي يحظى عند الناس حظوة أسمى منزلة، وأرفع شاناً من هؤلاء البؤساء، كيف لا يكون الأمر كذلك وهو أشفى ما عجز عن علاجه حتى طبيب نفساني؟، ثم من يحل العريس "المربوط" ليلة زفافه؟ من يحصن ويقي الفتاة البكر من الاغتصاب؟ من يحصن ديار العائلات الثرية من نهب السراق؟ من هذا الذي يحمي الفدادين والحقول والبساتين وما أنبتته الأرض من كل زوج بهيج من "الزاوش" العائد أسراباً أسراباً من جنوب أجدب طاوياً عاصب البطن مرملاً؟ من يعلم صبية الحي القرآن؟ من يهدي الناس إلى الحلال ويجنبهم الوقوع في الحرام؟ من يوزع تركات المغفور لهم؟ من يطرد الجان الذي "يسكن" الإنسان؟ من يستنجد به لاستخراج الكنوز المحروسة من الأرواح؟ من يفتح "لَكْتابْ" لإطلاع فضولي أو فضوليّة بما يخفيهما لهما عالم الغيب من مسار أو مضار؟.. من يقوم بكل هذا؟ سي علي أم هؤلاء "الدكاترة" البؤساء أم حتى الأطباء بلا حدود؟.. الناس سئموا الجمال وعلم الخيال، والبكاء على الديار والوقوف على الأطلال،.. شيء رديء ملموس أفضل مليون مرة من إبداع"، ولو جيداً، مستوحى من عالم الخيال، الفرد الصالح الفالح موزون وزناً قياسياً بالمليمتر، بما يملك، بما يرضى عنه ويقلد من مناصب تعود على كل انتهازي يحسن التلونات الظرفية بفوائد جمة،... لا تهمه زوجه، أخته، حتى أمه.. المهم أن يقدم للمحظوظ الجديد تهنئته وولاءه، ويقلب للمكدود بين عشية وضحاها ظهر مجنه، ليس بحاجة إلى سابق إنذار،.. حاشا لله أن تكون نورة ولا حتى سي علي من هؤلاء النماذج البشرية، لكن وظيفة كل منهما ملموسة لا ينكر أحد مردودها.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عاشق المحبة
العضو المميز


اعلام الدول :
السٌّمعَة : 4

مُساهمةموضوع: رد: دمـــوع و شمــوع {الجــــزء الثانــــي}   الثلاثاء فبراير 09, 2010 1:16 pm

مليت مليت مليت من قراءة الاول وما قرات التاني مشكور بس اختصر رجاءا اختصر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الادارة ملك الاحزااان
الادارة
الادارة
avatar

ذكر
المزاج : عادي
اوسمة :
احترام القوانين :
اعلام الدول :
جنسيتك : فلسطين
المهنه :
السٌّمعَة : 17

مُساهمةموضوع: رد: دمـــوع و شمــوع {الجــــزء الثانــــي}   الجمعة فبراير 12, 2010 12:20 am

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

أَضْحَكْ وَأنَا فِـيْ دَاخِلِي .. حِزْن قَتَّالْ


وَأخْفِي مَوَاجِعْ .. مَابَعَدَّهَا .. مَوَاجِعْ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al-hazen.ahlamontada.com
دموع واحزان
العضو المميز
avatar

ذكر
اوسمة :
احترام القوانين :
اعلام الدول :
السٌّمعَة : 2

مُساهمةموضوع: رد: دمـــوع و شمــوع {الجــــزء الثانــــي}   الجمعة فبراير 12, 2010 7:11 am

مشكور
دمت بصحه وعافيه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سجين الذكريات
المشرف العام
المشرف العام
avatar

ذكر
المزاج : رايـــــــق
اوسمة :
احترام القوانين :
اعلام الدول :
السٌّمعَة : 1

مُساهمةموضوع: رد: دمـــوع و شمــوع {الجــــزء الثانــــي}   الأحد فبراير 21, 2010 5:40 am

بأذن الله الاختصـــآآر المـــرة الجـــآآي إن شــــــاء الله و مشكور على التعليقات الجميله


[
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دمـــوع و شمــوع {الجــــزء الثانــــي}
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القصص والروايات-
انتقل الى: